الجمعة، 18 مارس 2016

تتناسى



كثيرا ما تتغنى كطفلة في حديقة ليس لها أسوار، مفتوحة على عالمها لكنها تبتعد عنه على الأقل في خيالها، تتناسى الواقع من حوله، تنسى حتى سنواتها الثلاث و عشرين ورائها. ترتكز بكل ما فيها من قوة إلى وسع السماء، و فجأة تضيق سماؤها عليها؛ إنها الذكريات، تتجمع كلها بلا اتفاق و لكنها تأتي على الموعد. عبء و مسئوليات تهب في حديقتها، تهز الجذوع و الفروع كريح خريف تناسى هو الأخر نسيم الصيف و روح الربيع.
دوامات الفكر تسطو على خيالها، هل هو شريط فيديو مجبرة على مشاهدته حتى النهاية؟ عائلة...دراسة...عمل...قراءة...كتابة...ناس، كلمات تطرق الذهن بإنسيابية شدية لا تتناسب مع تناسيها للواقع، تتدفق كل هذه الكلمات بكل معانيها كقطرات المطر الذي تستمتع به يغسل روحها دائما.
قطار الحياة لا يفارق حتى حديقتها، و ذلك لأنها مفتوحة بلا أسوار، تحجمها الأسوار، تطبق على أنفاسها، كم تمنت أن يسير قطارها بلا توقف، يسلك وجهته المحددة فقط، و لكنه في النهاية قطار عليه ان يتبع المحطات. كثيرا ما سألت نفسها: هل الوقوف في تلك المحطات يثري الرحلة أم يعطلها؟ اختلفت الإجابات...
عادت مرة أخرى إلى عالمها الخاص_تلك الحديقة الغناء التي تثق أنها جزء من عالم الخيال الذي يثري قطار الواقع_ تتتبع وريقات الأشجار المتطايرة بين ثنايا التلال، تراقبها بحثا عن اجابة: هل خريفها بداية أم نهاية؟ هل هل توقف القطار في محطات الحياة ثراء للحياة نفسها أم ضياع للوجهة المحددة؟ تتجول ثانية و تتناسى...
9 فبراير 2016
وسط البلد/قهوة الحرية

بكرة خيط



شعور ينتابني كل يوم، كأنه حلقة من مسلسل يأتي على موعده اليومي، و لا يخلفه أبدا، بكرة من الخيط يترامى طرفها الأول و ليس لها طرف أخر، انتهى يوم العمل، و كالعادة يتكرر روتين ما بعد العمل، و لكن اليوم عيد ميلاده...
ذهبت إلى مدرسة الأولاد، و اصطحبتهم في مشاوير لا مفر منها لتلبية حاجاتهم و حاجات البيت، وقفنا أمام محل للورد، فاجئتني جملة صغيري كريم "من امتى بنشتري ورد يا ماما؟" فردت هنا "انهاردة عيد ميلاد بابا يا عبيط". أتسعت عيناي من الدهشة، صغيران لم يكملوا سنواتهم العشر بعد، و يدققون فيما حولهم لهذه الدرجة، شدت هنا يدي و قالت "هااااه هنشتري زي كل سنة؟"، نظرت إليها ثم دخلت المحل، انتقيت بعض أزهار القرنفل البنفسجية، فأنا أعلم كم يحبها، ابتعت تلك الباقة و خرجنا من المحل.
في البيت تبدأ حلقة جديدة من المسلسل اليومي، أرى كل ما أفعله اليوم روتيني و ممل حتى شراء الورود، تركت صغيراي في حجرة المعيشة و قمت أبحث عنه في ذكرياتنا معا، وقفت أمام الدولاب، مددت يدي و سحبت ألبوم الصور، تجولت بين اللقطات، فوجدتني أسترسل التفاصيل و الأقاويل المصاحبة لكل صورة في فترة الخطوبة و بداية الزواج، هل أصابتنا العين كما تقول أمي أم إنني رأيت فقط نصف الحقيقة؟...قالوا عنه الكثير و لا أعرف ان كن سمعتهم أم إني رأيت فقط صورة فتى الأحلام ! و لكني متأكدة أنني انتبهت جيدا حين قالوا أنه بخيل في مشاعره، و أصغيت إليهم جيدا حين رددوا أن نزواته كثيرة، و لكن سرعان ما تبددت هذه الأقاويل و تبقى فقط الصورة التي تعكسها مرآة الحب كما يقولون.
"ماما ماما ...بابا جه"، رن صوت كريم من الخارج، فمسحت دموعي و خبأت الألبوم و خرجت إليهم، فاجئني سؤاله: "مين اللي جاب الورد ده؟" لم أرد و لكن هنا قامت بالواجب قائلة "دي ماما اللي جيباه يا عم"، ابتسمت لغمزة عين صغيرته و قلت له "كل سنة و انت طيب" "و انتي طيبة في أكل إيه؟"، برودة الرد في كل عام تصاحبني كالعادة، ذهبت إلى المطبخ و حضرت الطعام، و أكلنا في صمت،  كالعادة ناما هنا و كريم، ألحت عليه عينا أن يتجاوب و لو بكلمة و لكن نام هو أيضا...أستيقظنا على المنبه و بدأت يوما أخر، انفرطت فيه بكرة الخيط مرة أخرى...
15 فبراير 2016

الثلاثاء، 26 يناير 2016

قارب الحياة

        "عند أطراف السماء" هي قصة قصيرة من إبداع محمد المنسي قنديل، حبكة القصة جعلتها تمس القارئ حيث عبرت عن أفكار لا تخلو من إحداها الحياة اليومية، فكيف يمر علينا يوم دون السعى لما نريد تحقيقه، أحيانا نظنه سرابا، او حتى بحثا عن المجهول، لذا قصد المنسي قنديل الإعتماد على تيمة البحث عن المجهول، و و السعي لتحقيق ما نطمح إليه، و الإحتياج و الإنتظار كأدواته لرسم لوحته "عند أطراف السماء"، بريشته رسم أبطال قصته، امرأة تبحث عن حبيبها و تريد الوصول إليه، و هو ينتظرها على شاطئ إحدى الجزر و لكنها لا تعلم أين تقع تلك الجزيرة، و اذ بقنديل رسم خط بدا في البداية أنه همزة الوصل بين ذلك الرجل و تلك المرأة، و لكن أوضحت الأحداث فيما بعد  النقيد، فالمراكبي الذي استقلت تلك المرأة قاربه أبدل مجهول الجزيرة التي تبحث عنها إلى معلوم تعيشه و تحتاج إليه، فحتى حين ظهرت الجزيرة بعد أيام و شهور اختارت بيدها ان تغير اتجاه القارب عن مجهول بدأت تظهر ملامحه إلى معلوم عاشت معه و فيه.

       لم تكن الأفكار معروضة العرض التقليدي من خلال الشخصيات أو المكان فقط، بل استطاع المنسي قنديل الربط بين الأفكار عن طريق تقديمها في أزواج امن المتقابلات، فالبحث عن المجهول وقف من البداية في مواجهة فكرة السعي للوصول، أما الإحتياج فكان الخط الذي حول المسار و قابل فكرة الإنتظار. من العنوان يبدو أن المنسي قنديل يميل إلى إدخال عنصر الرحلة، جذب إنتباه القارئ كي يعرف أين تقع أطراف السماء و كيف يستطيع الوصول إليها.

       تجسدت فكرة البحث عن المجهول من البداية في شخصية تلك المرأة المجهولة التي تبحث عن "رجلها" و تريد الوصول إليه على جزيرة لا يعرف عنها أحد شئ حتى ذلك المراكبي الذي لا يعرف إلا البحر و ثناياه، حيث أكد "ليست هناك أي جزيرة قريبة"، بعد أن عزز المراكبي غموض المجهول، بدأت الأحداث تتوالى لتفتيت المجهول و إيضاحه، فرغم ان المراكبي لم يمح لامرأة أن تخط بقدميها قاربه، وافق ان يشاركها رحلتها في البحث عن المجهول، فأوضحت تلك المشاركة -التي عززتها صيغة المثنى فيما بعد- أن السعي للوصول يقابل المجهول.
    
و في رحلة السعي للوصول من عرض البحر إلى الجزيرة تأكدت فكرة الإحتياج، فالطريق طويل و غامض، و الجزيرة غير معروفة، جسد قنديل -بجانب الحاجة إلى المأكل و المشرب و الملبس و المأوى- احتياج كل منهما للأخر، هو احتياج من نوع خاص، احتياج رجل ظنها سرابا حين طلت عليه للوهلة الأولى، و احتياج امرأة قضت مع غريب شهور و أيام في عرض البحر بحثا عن شخص اخر تدعوه "رجلها"، نجح المنسي قتديل في الجمع بين احتياجاتهما عن طريق استخدام ضمائر المثنى التي أقنعت القارئ أن حاجتهم المزعومة للدفء في عواصف الليل كانت ستارا على احتياج اخر نتج عنه وليدهما الرضيع، و قهر ذلك الوليد مجهول كانت تبحث عنه و لم يفكر بالتقدم خطوة للبحث عنها.

    كانت تيمة الانتظار رغم كشفها في اخر أسطر القصة تقابل فكرتي السعي و الاحتياج، و تطيح بمجهول كانت تبحث عنه و لم يبذل هو مجهودا لذلك بل وجدتها ينتظرها جالسا على صخرة، و هنا اختارت بنفسها تغيير المسار عن مجهول كانت تبحث عنه بعدما أصبح معلوم حيث ظهرت الجزيرة عند أطراف السماء، فضلت السعي على الانتظار على صخرة.

    اتضح من بنية القصة و اختيار المكان أن قنديل يعكس الواقع و كأنه يقول أن البحر في قصته يعكس الدنيا بأكملها و القارب يعكس قدرتنا على الحياة و البحث عنها، كما اتضح في النهاية ان السعي يوضح ملامح المجهول احيانا و يكشفه، و بهذا الاكتشاف قد تختلف الخيارات و الأولويات في نهاية المطاف.

(عن قصة "عند أطراف السماء" لمحمد المنسي قنديل، 26/122016)

الخميس، 14 يناير 2016

جناح الروح

جميلة انتي كمقطوعة موسيقية معزوفة على اوتار الكمان
عظيمة روحك و هي تعزف سنداً لتكلل أصابع العازفين بالكمال
و حتى عندما ينطلق السؤال، تنتابني قشعريرة البرودة المتوجة بسمو 

يلتمسه القلب، و استحسن نفسي حين أراني حية بكل ما تحمل الكلمة من معنى،
 فلا اجدني اصدق هؤلاء الذين يقولون البرد قاتل و قارص،
 ان كانوا محبوسين في تلك الحجرة عالية الأسوار...المظلمة...
فالتجمد يكسيه تبلد الجدران، و كأن الجليد كسى جوانب الروح،اما أنا فلي جناح يولد دفء يسكن قلبي، كما انني اطلق الروح حرة من شبابيك الغرفة،
 فجدرانها لا تهمني في شيء...و لا اسوارها ايضا،
 حرية الروح تتناغم مع اوتار الكمان و تنسج زهورا تكلل الاسوار و ريحانا يتسلق الجدران....فيتعجبون و يحاولوا كبت روحي و كسر الجناح احيانا...و لكنه ما زال يعافر...

بديهيات


زينة الحياة وجودها...و بحبها ترفرف الجناحات
و في عيونها تتجلى نجوم السماوات
و التعجب في السؤال لماذا الحب دائما لها بالذات
و على اللسان يتعثر الكلام فهي الذات
و كيف للذات ان تصف ذاتها الا برفرفة الجناحات
زينة الحياة وجودها...و حبها سيظل بديهيات

خلي عينك وسط جناحك


عندما تنتابها تلك الحالة العجيبة من الشك و الحيرة، من معها و من عليها، لماذا يصفقون هكذا، لما ينظرون تلك النظرات المريبة، تتلصم في مكانها و لا تسطع الدفاع عن جناحها، و لكنها تنظر اى جناحيها ليس استعطافا و لكن رجاءً، تثبت نظرتها الى الجناحين و تتغاضى عمن حولها جميعا، ربما تتحدث لجناحيها، ترجوهما الا يصلوا الى مرحلة الرجوع و الانعكاس داخل الشرنقة، و في تلك اللحظة يرد الجناح مرفرا بقوة و كأنه يرد نظراتها و يعلمها انه على قيد الحياة، فتنعكس حركة الجناحين على الروح و تظهر بسمة العين بتجلي، رغم انها ما زالت محاطة بهؤلاء اللذين لا تعلم هوبة نظراتهم و لا تحياتهم و تهليلهم بعد، هي فقط جعلت عيناها وسط مركز قوتها...

قارب الجياة


يقولون اننا نعتلى قارب الحياة و نبحر بحثا عن شيئاً ما
يقولون ان الروح تهتدي بنور الحب لا بضوء الشمس نور الحياة
يقولون ان النفس منارة عندما تستطيع ان تقول لا و ألف لااااااا
يقولون ان قارب الحياة يتوج دائما بحلم بعيد تزينه الااااااه
يقولون القارب يهتز بين العواصف و يظن في البعض نجاة
يقولون ان هؤلاء البعض يصفقون لضرب العاصفة للمشكاه
يقولن ان نور المشكاه يخرج من قلب القارب فيا محلاه
يقولون ان قلب القارب و قلب صاحبه يسعون وراء نقطة مياه
يقولون و يتعجبون اسائرين في كل هذه المياه جريه وراء نقطة مياه
اقول انا ان القارب لن يصمد الا اذا ارتوى قالب صاحبه بتلك النقطة
 التي يسموها مياه و ادعوها حياة