الجمعة، 18 مارس 2016

علبة شيكولاتة




"مفيش حاجة في الدنيا الشيكولاتة متقدرش تغيرها"، يقلب في مذكراتها، لم يتعود فعل ذلك طيلة حياتها، يحترم خصوصيتها أو يدعي ذلك، و لكنه لا ينكر فضوله أحيانا لمعرفة مكانته عندها و معرفة ما تريده قبل أن تطلبه. يستكمل فيجد نفس السطر متكررا "لما أنا؟ هل فعلا يحبني؟ أم فقط يستمتع معي بعيشة بلا قيود؟"
ذكرته الجملة بأخر لقاء بينهما، عندما وقفت عند الستائر الرمادية التي تخفي ظلام الليل و لا تدع نور النهار، و حينها سألته: "هو أنا إيه بالنسبة لك؟" تنهد طويلا كأنه يحتاج الهواء الموجود بالغرفة كله بل و لا يكفيه، نظر إليها و لم ينطق بكلمة، تعجبت أو توقعت و قالت ساخرة: "يااااااااااااااااااااااه هو السؤال صعب أوي؟" لا يعلم ماذا يقول أو ربما يعلم و لكنه لا يستطع البوع، يقف الكلام في حلقه.
اقتربت منه و ضحكت و قالت "طيب يلا", نظر إليها متعجبا "يلا إيه؟"، انزعج من إشارتها إلى تلك الحجرة المظلمة التي تشهد تحوله خلالها إلى النقيض، غمزة عينيها و إشارتها إلى السرير-المكان الوحيد الذي تظل له صامتة فيه- جعلاه يستشيط غضبا، أو ربما تعرى أمامها بدلا من أن تتعرى هي في ذلك الظلام الدامس، "أنتي اتجننتي؟" ، "لا أنا بس فاهمة أنا إيه بالنسبة لك؟!"
عاد ثانية إلى صفحات مذكراتها التي تطوي أسرار عاشها و لم يعرفها، و في أولى الصفحات وجد خاطرة عنوانها من أنا؟ "أنا ايد ممدودة على طول...فاقدة الأمان و بديه...أنا عاملة زي العربية اللي بتوصله أي مكان هو عايزه...بس أنا بوصله لحالة، إيه يعني هو مش الحالة و المكان واحد؟!"
يتذكر الليلة الأخيرة جيدا ذلك الرداء البنفسجي الذي يعشقه، و هو ينسدل من على جسدها، لمساتها التي تحييه في كل مرة و كأنها امرآة اخرى، تجاعيد جسدها الذي يعلم جيدا أنه هو الوحيد الذي يسكن فيها، ضعفها بين ذراعيه، خضوعها و إلتصاق جسدها بالسرير، لا تقاوم و لا تصل إلى النشوة، يتحكم فيها، يغزو جسدها الذي يعلم جيدا أنه الأول و الأخير في الوصول إليه.
يكمل التصفح في طيات مذكراتها، لم يفهم بعد جملة الشيكولاتة، بل و فاجئته جملة أخرى "كان نفسي أتقوى بالشيكولاتة كان نفسي تغطيني و تحميني زي م بتحضن الكيت كات اللي بيجيبهالي، كان نفسي مبقاش زي البسكويتة في إيديه" ، أذهله التشبيه، فتذكر ضعفها ثانية في كل مرة تريد حلا لعلاقتهما، "كان نفسي الشيكولاتة اللي بيجيبها تغطي اللي كان ناقصني منه"، أدرك حينها أن مع كل علبة شيكولاتة يقدمها لها، يقع من على جسدها الرداء البنفسجي.
نزل كالمجنون إلى السيارة، صرخ صرخة مكتومة حين وجد جواره علبة شيكولاتتها المفضلة، كانت الهدية التي لم تصلها، رن هاتفه، إنها زوجته و لكنه لم يرد في المرة الأولى، فتح علبة الشيكولاتة و تذوقها لأول مرة، رن التليفون ثانية، فرد "أيوة، أنا جاي أهو"، لا يعلم إن كان استسلم للأمر الواقع أم نها صدقت حين قالت "مفيش حاجة في الدنيا الشيكولاتة متقدرش تغيرها"

طائر الشاطئ



رفعت سماعة التليفون، إنه الطلب الأسبوعي ، "فين المقالة يا أستاذنا؟" سؤال يجعلني أختبأ في صومعتي أسبوعيا، أمسكت الورقة و القلم، وجدتني أتساءل ماذا يريد القراء هذا الأسبوع، هل نتحدث سويا عن الحياة عامة، أعتقد أنهم ملوا ذلك، "طير جناحه مكسور" ، ثلاث كلمات ترنحت أمامي على الورقة، لا أعلم لماذا أتيت بالطير و لا ما أعنيه به!
نمت على الورق أو سرحت لا أعلم، فقط وجدتني على شاطئ البحر، وصلتني رائحته قبل أن أراه، و إذ بطائري المجهول مستلقيا على الرمال، حادثته: "ماذا بك؟" أجابني بلكنة مؤلمة "أرهقني هواء البحر"...
فقت و عدت إلى ورقتي و اكتشفت أنني رحت لهذا الطائر الذي يسكن بداخلي بالفعل ، و لكنني للأسف لا أراه إلا وقتما أريد فقط. شخبطت حواري مع الطائر على الورق بحبري الأسود...يرن التليفون ثانية "المقال يا أستاذنا؟"
طائري مكسور جناحه، يمكنني أن أؤجل المقال، خرجت إلى أحفادي و قلت لهم "يلا نلعب"، "هنلعب إيه يا جدو"، "هنلعب استغماية"، فرحوا جميعا، و ذهبوا للإختباء، لم أراهم في الشقة بل وجدتهم يواسون طائري على شاطئ البحر، يتلمسون جناحه...أراهم و لكني لا أستطع الامساك بهم...فقد أرهقني هواء البحر مثل طائر الشاطئ.
                                                                               15فبراير 2016
         

دلاية



"مبحبش الذهب بس الفضة و الحجارة بتبهرني" قلتها في ليلة مقمرة حيث كنت أجلس مع جدتي في إحدى ليالينا السامرة، التي تمتلئ بضحكاتنا و أحيانا دموعها حين يتركني أبي عندها و يسافر، تساءلت كثيرا لماذا تبكي؟ أظنها تشعر بي، أو لعل همنا واحد و أنا لا أدري.
و في هذه الليلة توقفت تساؤلاتي بإجابتها عن سؤالي حين وجدت يدها تلتف حول عنقي و تقول "عرفاكي يا سوسة بتحبي إيه!" هي الوحيدة التي تذكرتني في يوم ميلادي أو بالأحرى هي التي تتذكرني دائما، أغمضت عيني أفكر أين أبي الأن؟  و لكن سرعان ما شدتني لمسة يدها على عنقي، أشعر بها جواري و لكن حلم يقظتي يجبرني أن أغلق عيناي، تلمست يدها و الدلاية التي علقتها في عنقي، ما زالت تربط بيدها على كتفي، لا أعلم إن كانت تحاول مواساتي أم مواساة وحدتنا معا.
لم أفيق من حلم يقظتي بعد، لا زالت يدي تترنح على يديها و ما قدمته حول عنقي، حجر ليس بالأملس، مبصما بحبات تشبه ملمس الرمال، هي تعلم جيدا أني أكره المشغولات الذهبية، فأنا مثلها أعشق نقوش الحجر، فتحت عيناي على جملتها "أنا عارفة إنك بتحبي الأحجار المنقوشة"، نظرت إلى الحجر الذي حفظت ملامحه أصابعي، فإذ به يزهو بلونه البنفسجي الذي يخفي حزن حباته و يظهر رونقها، كم يشبه تلك اللؤلؤة التي تحاول جدتي حبسها في عينيها الأن، حبست لئالئي أيضا و قلت لها: "أه أصل الأحجار بتشيل كتير و مبتتغيرش بالساهل"...
9 فبراير 2016

تتناسى



كثيرا ما تتغنى كطفلة في حديقة ليس لها أسوار، مفتوحة على عالمها لكنها تبتعد عنه على الأقل في خيالها، تتناسى الواقع من حوله، تنسى حتى سنواتها الثلاث و عشرين ورائها. ترتكز بكل ما فيها من قوة إلى وسع السماء، و فجأة تضيق سماؤها عليها؛ إنها الذكريات، تتجمع كلها بلا اتفاق و لكنها تأتي على الموعد. عبء و مسئوليات تهب في حديقتها، تهز الجذوع و الفروع كريح خريف تناسى هو الأخر نسيم الصيف و روح الربيع.
دوامات الفكر تسطو على خيالها، هل هو شريط فيديو مجبرة على مشاهدته حتى النهاية؟ عائلة...دراسة...عمل...قراءة...كتابة...ناس، كلمات تطرق الذهن بإنسيابية شدية لا تتناسب مع تناسيها للواقع، تتدفق كل هذه الكلمات بكل معانيها كقطرات المطر الذي تستمتع به يغسل روحها دائما.
قطار الحياة لا يفارق حتى حديقتها، و ذلك لأنها مفتوحة بلا أسوار، تحجمها الأسوار، تطبق على أنفاسها، كم تمنت أن يسير قطارها بلا توقف، يسلك وجهته المحددة فقط، و لكنه في النهاية قطار عليه ان يتبع المحطات. كثيرا ما سألت نفسها: هل الوقوف في تلك المحطات يثري الرحلة أم يعطلها؟ اختلفت الإجابات...
عادت مرة أخرى إلى عالمها الخاص_تلك الحديقة الغناء التي تثق أنها جزء من عالم الخيال الذي يثري قطار الواقع_ تتتبع وريقات الأشجار المتطايرة بين ثنايا التلال، تراقبها بحثا عن اجابة: هل خريفها بداية أم نهاية؟ هل هل توقف القطار في محطات الحياة ثراء للحياة نفسها أم ضياع للوجهة المحددة؟ تتجول ثانية و تتناسى...
9 فبراير 2016
وسط البلد/قهوة الحرية

بكرة خيط



شعور ينتابني كل يوم، كأنه حلقة من مسلسل يأتي على موعده اليومي، و لا يخلفه أبدا، بكرة من الخيط يترامى طرفها الأول و ليس لها طرف أخر، انتهى يوم العمل، و كالعادة يتكرر روتين ما بعد العمل، و لكن اليوم عيد ميلاده...
ذهبت إلى مدرسة الأولاد، و اصطحبتهم في مشاوير لا مفر منها لتلبية حاجاتهم و حاجات البيت، وقفنا أمام محل للورد، فاجئتني جملة صغيري كريم "من امتى بنشتري ورد يا ماما؟" فردت هنا "انهاردة عيد ميلاد بابا يا عبيط". أتسعت عيناي من الدهشة، صغيران لم يكملوا سنواتهم العشر بعد، و يدققون فيما حولهم لهذه الدرجة، شدت هنا يدي و قالت "هااااه هنشتري زي كل سنة؟"، نظرت إليها ثم دخلت المحل، انتقيت بعض أزهار القرنفل البنفسجية، فأنا أعلم كم يحبها، ابتعت تلك الباقة و خرجنا من المحل.
في البيت تبدأ حلقة جديدة من المسلسل اليومي، أرى كل ما أفعله اليوم روتيني و ممل حتى شراء الورود، تركت صغيراي في حجرة المعيشة و قمت أبحث عنه في ذكرياتنا معا، وقفت أمام الدولاب، مددت يدي و سحبت ألبوم الصور، تجولت بين اللقطات، فوجدتني أسترسل التفاصيل و الأقاويل المصاحبة لكل صورة في فترة الخطوبة و بداية الزواج، هل أصابتنا العين كما تقول أمي أم إنني رأيت فقط نصف الحقيقة؟...قالوا عنه الكثير و لا أعرف ان كن سمعتهم أم إني رأيت فقط صورة فتى الأحلام ! و لكني متأكدة أنني انتبهت جيدا حين قالوا أنه بخيل في مشاعره، و أصغيت إليهم جيدا حين رددوا أن نزواته كثيرة، و لكن سرعان ما تبددت هذه الأقاويل و تبقى فقط الصورة التي تعكسها مرآة الحب كما يقولون.
"ماما ماما ...بابا جه"، رن صوت كريم من الخارج، فمسحت دموعي و خبأت الألبوم و خرجت إليهم، فاجئني سؤاله: "مين اللي جاب الورد ده؟" لم أرد و لكن هنا قامت بالواجب قائلة "دي ماما اللي جيباه يا عم"، ابتسمت لغمزة عين صغيرته و قلت له "كل سنة و انت طيب" "و انتي طيبة في أكل إيه؟"، برودة الرد في كل عام تصاحبني كالعادة، ذهبت إلى المطبخ و حضرت الطعام، و أكلنا في صمت،  كالعادة ناما هنا و كريم، ألحت عليه عينا أن يتجاوب و لو بكلمة و لكن نام هو أيضا...أستيقظنا على المنبه و بدأت يوما أخر، انفرطت فيه بكرة الخيط مرة أخرى...
15 فبراير 2016