الخميس، 23 أبريل 2015

فماذا عنكي يا ترى؟!



فماذا عنكي يا ترى؟!

يخترق صمته  صوت جدته  و هي تنادي عليه: يلا يا أدهم  الغداء جاهز، لا يكترث لما قالته فلديه ما يشبه العراك القاتل يدور في رأسه، و لكن إذ بها تنادي ثانية، فينهض و هو علي يقين أنه لا جدوي لما يفعله، يحاول إدراك شئ مجهول يدور في رأسه، فيتركه و لو حتي قليلا و يلبي نداء جدته، و يجلس معها إلي المائدة.
     إنه يوم الجمعة؛ اليوم الذي تنتظره أمه، حيث يزورها هو و أولاده و زوجته, و لكن ما به هذه المرة؟ دار هذا السؤال في ذهن أمه كلما نظرت إليه، فسألته:
-  مالك يا عمار؟
- مفيش يا أمي أنا كويس.
- تتدخل زوجته فجأة و تخاطبه قائلة: برضو مش هتقول لها ...و إيه الحجة المرة دي يا سي عمار ...
- يقاطعها عمار قائلا: أسكتي إنتي ...ملكيش دعوة.
- يزداد قلق أمه و معه رغبتها في معرفة ما الذي أصاب ولدها فتسأله ثانيةً: خير يا عمار يا ابني هو ايه ده اللي مش عايز تقوله؟!
- مفيش يا حاجة مشاكل في الشغل انتي بس عارفة عايدة بتحب تعمل من الحبة قبة .
    لم ترتاح أمه لهذه الاجابة الدبلوماسية فهي علي يقين ان هناك ما يخبئه ولدها، انتهوا من الغداء، و راحت الأم تجلس مع أحفادها كالعادة، فهم قرة العين، و إذ هي المفاجئة، أدهم و أروي حفيديها يتحدثان عن الهجرة! و تسألها أروى:  يعني إيه هجرة يا تيتة؟
- سمعتيها فين الكلمة دي يا رورو؟
- أصل يا تيتة بابا و ماما بقى لهم أسبوع بيتكلموا عنها.
   ما كان للجدة إالا الصدمة؛ عامر و عايدة يفكران بالهجرة، و تبدأ رأسها في الطنين، لا لا أظن ذلك ، لابد أنه برنامج حواري أو جريدة ناقشت هذا الموضوع، و تكلما فيه أمام الأولاد، كل ما يدور في رأسها ذكريات عادل ابنها الذي هاجر من 10 سنوات، ابنها الذي لا تعلم عنه شيئاً الا عندما يرفع سماعة التليفون، هل يلحق عامر بأخيه عادل؟ و هنا قاطعت صمتها حفيدتها الجميلة ذي الست سنوات:
- إيه يا تيتة مش هتقولي لنا يعني إيه هجرة؟
- و مسألتيش بابا و ماما ليه يا حلوة؟
- و هنا جاء صوت أدهم: على فكرة يا تيتة انا مكنتش فاهم في الأول يعني إيه هجرة بس لما دورت على النت لقيت كلام عكس اللي بيقوله بابا.
أدهم طفل في الثانية عشر من عمره ، طالما أسمته جدته "بعبقرينو" أو "الواد سابق عصره"، أدهم طفل زكي، يحب القراءة، و يميل إلى المعرفة دائماً، حين يكون في البيت لا نراه إلا قارئاً أو باحثاً عن شئ ما على الانترنت، حتي عندما يكون خارج البيت فحينئذٍ تجد معه هاتفه الجوال، و تجده دائما يتصفح و يقرأ و يطالع، حتي عندما يشاهد التليفاز، فهو يتنقل بين البرامج الحوارية، يرى هذا و يسمع ذاك و يوازن بينهما.
تعجبت الجدة و سألت أدهم: و بابا قال لك إيه يا أدهم عن الهجرة؟
- قال لي ان الهجرة يعني فرصة جديدة ...يعني نروح بلد جديدة و نشتعل ...بس هو مقاليش يا تيتة ان احنا هنسيبك و نمشي زي عمو عادل... مقاليش إني هبعد عن اصحابي ... بس أنا سألته هو إحنا ليه يا بابا منشتغلش في بلدنا و اللي هنعمله هناك نتعب شوية و نعمله هنا؟ ....بس هو يا تيتة قال لي كلام زعلني أوي.
- قال لك إيه يا حبيبي؟
و هنا صمت أدهم، أدرك أنه كشف السر، فما كان عليه إخبار جدته، و لكن أروي فضحت الأمر كله، أدهم في حيرة، هل عليه أن ينقل لجدته ما يقوله أبيه، ماذا سيكون رد فعلها حين تعرف أن أبيه  لم يعد يحتمل وجوده في هذه البلد، كيف يخبرها أدهم أن ولدها عمار قرر الرحيل عنها لمجرد التفكير أن هناك ستصان كرامته، فهي هنا مهدورة، أيقول لها أن أبيه يكره كتاب التاريخ الذي يقرأ منه لأخته أروى حواديت يومية ليفتح نافذة عقلها على تاريخ البلد الذي تعيش فيه، أيقول لها أن مدرس الفرنسية و الإنجليزية له و لأروي أهم عند أبيه من مدرس لغته الأم، أيقول لها ان أبيه و أمه لا يتحدثا سوى الأنجليزية أو الفرنسية حتي في البيت؟!!!
أدهم لا يريد الهجرة، و تدور في رأسه كل ما دار بينه و بين أبيه في هذا اليوم الذي أخبره فيه بشأن هجرتهم، ففي هذه اللحظة: وقف أدهم و قال له: هنهاجر؟!
- أه يا أدهم ...عشانكو يا حبيبي، عايزكو تعيشوا في مكان أحسن، و ماما كمان عايزة كدة، يلا يا حبيبي تصبح على خير.
لم يعجبه ما حدث، و لم ينم تلك الليلة أيضاً، ظل يبحث و يقرأ عن القنبلة التي فجرها له أبوه، و يسأل نفسه: لماذا نذهب للعيش في مكان أفضل، لماذا لا نطور مانحن فيه؟ هل البلد التي نحن ذاهبون إليها تركها أبناؤها و اصبحت أفضل! هل ما يقوله أبي منطقي؟!
- عادت جدته من صمتها و سألته: أدهم بسألك بابا قال لك إيه عن الهجرة؟
- ها ...إيه يا تيتة ....لا مفيش ...قصدي مقلش.
- هتكدب على تيتة يا أدهم، أنا كنت حاسة.
- أروى تترك لعبتها و تقوم تداعب جدتها و هنا تأتي الصدمة الثانية: عارفة يا تيتة بابا قال لي ان احنا هنروح بلد جميلة اوي مفيهاش الدخان اللي بيعمل لي حساسية ، و لا الناس اللي بتزعق في الشارع، و لا الميس بتاعة العربي أم دم تقيل و لا ...
قامت الجدة و خرجت إلى الصالة، و إذ بها تسمع ابنها زوجته، و تقول له عايدة: برضو مقلتلهاش ...لحد إمتي السفر كمان أسبوع.
- اسكتي بقى يا عايدة ...قلت في الوقت المناسب
تتسمر الأم في مكانها، لا زالت لا تصدق الفكرة، أيتركا الجمل بما حمل؟ حتي إن كان ليس هناك غنائم علي ذلك الجمل، فما زال هناك حِمل يحمله، هل من السهل على الإنسان ان يترك كل شئ و يرحل؟ هل يعيد التاريخ نفسه؟ رحل عادل أمس و اليوم يرحل عمار!!! و من سيرحل أيضاً؟
لاحظ عمار و عايدة و جود الأم في الصالة فقامت عايدة و غيرت الموضوع بسرعة: أكيد الولاد تعبوكي يا ماما، اصل أنا عرفاهم رغايين.
- الأعز من الولد ولد الولد يا عايدة، ايه يا عمار مش عايز تقول مخبي إيه؟
- و لا مخبي و لا حاجة مالك يا أمي؟
- أنا اللي مالي؟ ...قول لي صحيح إنت بتكلم عادل أخوك؟
- ها ...أه قصدي لا ، بقى لي كتير مكلمتوش.
تبتسم الأم ابتسامة تنم عن الحسرة، شعرت بكذب ابنها و شعرت بمؤامرة من الأخوين، انتهى اليوم، و سلم الأحفاد على جدتهم على ان يلقاها لاحقا.  في اليوم التالي, طرق عمار باب أمه في الحادية عشر صباحاً، فتحت الأم في دهشة: خير يا عمار انت مرحتش شغلك و لا إيه؟ الولاد كويسين.
- خير يا أمي متقلقيش
- أيوة يعني انت جاي منين دلوقتي.
- جاي من الشغل كنت بخلص شوية أوراق عشان الأجازة بدون مرتب و الهجرة يا أمي.
   على الرغم انها علمت بهذا من قبل، إلا ان الجملة كان لها وقع الصاعقة، صدق أدهم و أروى، و الغريب أنها متماسكة و قالت في نبرة عادية: و الله هتهاجروا ... اه صحيح نسيت أقول لك أروى امبارح قالت لي انكو رايحين مكان نضيف، انضف من البلد، يا ترى اللي قلته لها عن البلد هو هو اللي قلته علي أمك ...هتلاقي هناك أنضف.
- ايه يا أمي الكلام ده؟ ... أنا مش زي عادل ...أنا
- بس متكملش ... كلكو بتسيبو الجمل ينخ و تمشوا... كلكو عجينة واحدة
- و مين قال إني هسيبك يا أمي
- سطحي و تافه ...فاكر إني بتكلم عن نفسي ... سافر سافر ...بس ابقى هات لي كتاب التاريخ اللي ادهم بيقرا منه لأروى
- كتاب التاريخ ... تاريخ ايه يا أمي ... درسناه و خلص خلاص، أنا جاي أقنعك تيجي معانا ...
وصلت الصدمة ذروتها، و تتذكر الجدة حفيدها أدهم حين سألها: ليه منشتغلش في بلدنا و اللي هنعمله هناك نتعب شوية و نعمله هنا؟ قدر صدمتها في ولديها عمار و عادل، كانت فرحتها بعقل و قلب حفيدها أدهم، فتتذكره حين يقول لها: "هو يا تيتة لما عادل يسيب بلده هنقيم العدل بإيه؟ و لما حسن و هنية و جمال و سعدية و الدكتور و المهندس و العامل و المدرس يسيبوها بحجة انها ضد الإنسانية و قال إيه هيروحوا مكان انضف و يلبسوا توب مش توبهم و الدكتور يوافق يغسل طبق و المهندس عادي بدل م يبني ممكن يهج و يمسح و يكنس عادي الحجج كتير ... هو يا تيتة لما عمار يهاجر ممكن يعمر في حتة تانية؟!
وقعت الأم من هول الصدمة فهل لأبناء هذا البلد أن يعمروا مكاناً أخر؟!! فوجئ عمار عندما وجد أمه علي الأرض: أمي أمي مالك؟ الأم لا تنطق، فالصدمة أقوى، رفقاً بأم ربت و علمت، أطعمت و كبرت الملايين و ليس عادل و عمار فقط، فمن ربت عادل و عمار لم تتحمل، فماذا عنكي يا ترى؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق